ابراهيم بن عمر البقاعي
31
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أولني مما أولاك اللّه فقال : أتقرأ القرآن ؟ قال : لا ، قال : إنا لا نولي من لا يقرأ القرآن ، فانصرف الرجل واجتهد حتى تعلم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيوليه ، فلما تعلم القرآن تخلف عن عمر فرآه ذات يوم فقال : يا هذا ! أهجرتنا ، فقال : يا أمير المؤمنين ! لست ممن يهجر ؟ ولكني تعلمت القرآن فأغناني اللّه عن عمر وعن باب عمر ، قال : أي آية أغنتك ؟ قال : قوله تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : 2 و 3 ] انتهى . ومن توكل على غيره سبحانه وتعالى ضاع لأنه لا يعلم المصالح وإن علمها لم يعلم أين هي ، وإن علم لم يعلم متى يستعملها وإن علم لم يعلم كم المقدار المستعمل ، وإن علم لم يعلم كيف يستعملها وهو سبحانه المنفرد بعلم ذلك كله وما لا يعلمه حق علمه غيره ، والآية تفهم أن من لم يتق اللّه يقتر عليه ، وهو موافق لما روى ابن حبان في صحيحه والحاكم واللفظ له - وقال : صحيح الإسناد - عن ثوبان رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر ، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه » « 1 » وتفهم أن من لم يتوكل لم يكف شيئا من الأشياء . [ سورة الطلاق ( 65 ) : الآيات 4 إلى 6 ] وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ( 4 ) ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ( 5 ) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ( 6 ) ولما وسط بين العدد هذه الجمل الواعظة دلالة على عظمتها حثا على امتثالها والمبادرة إليها ، وختم بالتقدير ، أتبع ذلك بيان مقادير العدد على وجه أبان أن الكلام الماضي كان في الحوائض الرجعيات فقال : وَاللَّائِي يَئِسْنَ أي من المطلقات مِنَ الْمَحِيضِ أي الحيض وزمانه لوصولها إلى سن يجاوز القدر الذي ترجو فيه النساء الحيض فصارت بحيث لا ترجوه ، وذلك السن خمس وخمسون سنة أو ستون سنة ، وقيل : سبعون وهن القواعد ، وأما من انقطع حيضها في زمن ترجو فيه الحيض فإنها تنتظر سن اليأس .
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة 90 و 4022 وابن حبان 872 والطبراني 1442 والحاكم 1 / 493 والقضاعي 831 وأحمد 5 / 277 و 282 من حديث ثوبان ، وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقال البوصيري في الزوائد : وسألت شيخنا أبا الفضل العراقي رحمه اللّه عن هذا الحديث ، فقال : هذا حديث حسن ا ه .